محمد بن وليد الطرطوشي
296
سراج الملوك
قال شيخنا : قلت : الناس يقولون : أراد بالاثنين ( المودع ، والمودع ) ، ولا يبعد أن يريد به ( الشفتين ) . وكان يقال : أصبر الناس : من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه ، فيوشك أن يصير عدوه . وقد روى في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا حدّث الرّجل الرّجل ثم التفت فهي أمانة » « 1 » قلت : وإذا كانت أمانة حرمت فيها الخيانة ، كالأمانة في الأموال . وقال أبو بكر بن حزم « 2 » : إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله ، فلا يحل لأحدهما أن يفشى على صاحبه ما يكره . وقال هشام بن عروة « 3 » : ما من رجل ينتقص من أمانته إلّا نقص إيمانه . وقال جعفر بن عثمان « 4 » : يا ذا الذي أودعنى سرّه * لا ترج أن تسمعه منّى لم أجره قطّ على فكرتى * كأنّه لم يجر في أذني وكان عمرو بن العاص يقول : ما أفشيت سرّى إلى رجل ، فأفشاه علىّ فلمته ، إذ كان صدري أضيق به . وقال الأحنف بن قيس : يضيق صدر أحدهم بسرّه حتى يحدّث به ، ثم يقول : اكتمه علىّ . وفي منثور الحكم : انفرد بسرك ، ولا تودعه حازما فيزلّ ، ولا جاهلا فيخون . وأنشدوا : إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه * فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
--> ( 1 ) الحديث : رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر وابن أبي يعلى عن أنس ( إذا حدث الرجل بحديث . . . ) والحديث صحيح ( الجامع الصغير - رقم 561 ) . ( 2 ) أبو بكر بن حزم : محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري من التابعين ورواة الحديث الثقات ، توفى سنة 120 ه ( 3 ) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام : تابعي من أئمة الحديث ومن علماء المدينة ، دخل بغداد على عهد المنصور وكان من خاصته ، توفى ببغداد سنة 146 ه ( 4 ) جعفر بن عثمان المصحفى : أديب وشاعر ووزير أندلسي من كبار الكتاب وله شعر جيد ، اعتقله المنصور بن أبي عامر أمير الأندلس لخدمته ( أم هشام المؤيد بن الحكم ) ، فاستعطفه جعفر بمنظومة ومنثورة ولكنه لم يرقّ له وقتله سنة 372 ه ( الأعلام 2 / 125 ) .